شخصيات

ابن تيمية

مقدمة.

تَقِيُّ الدِّينِ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْحَلِيمِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ النُّمَيْرِيُّ الْحَرَّانِيُّ (661هـ – 728هـ / 1263م – 1328م) المشهور باسم ابن تيميَّة. هو فقيه ومحدث ومفسر وفيلسوف ومتكلم وعالم مسلم مجتهد من علماء أهل السنة والجماعة. وهو أحد أبرز العلماء المسلمين خلال النصف الثاني من القرن السابع والثلث الأول من القرن الثامن الهجري. نشأ ابن تيميَّة حنبلي المذهب فأخذ الفقه الحنبلي وأصوله عن أبيه وجده، كما كان من الأئمة المجتهدين في المذهب، فقد كان يفتي في العديد من المسائل على خلاف معتمد الحنابلة لما يراه موافقاً للدليل من الكتاب والسُنة ثم على آراء الصحابة وآثار السلف.

نسبه.

هو:«تقي الدين أبو العباس أحمد بن شهاب الدين أبي المحاسن عبد الحليم بن مجد الدين أبي البركات عبد السلام بن أبي محمد عبد الله بن أبي القاسم الخضر بن محمد بن الخضر (بن إبراهيم) بن علي بن عبد الله الحراني.» ابن تيمية النميري الحراني، ثم الدمشقي.

أبوه فقيه حنبلي هو عبد الحليم ابن تيمية، وأمه “سِتُّ النِّعَمِ بِنْتُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدُوسٍ الْحَرَّانِيَّةُ” ذكرها ابن كثير الدمشقي في وفيات سنة 716 هـ، وقال عنها: «الشَّيْخَةُ الصَّالِحَةُ الْمُعَمَّرَةُ، سِتُّ النِّعَمِ بِنْتُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدُوسٍ الْحَرَّانِيَّةُ، وَالِدَةُ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ، عَمَّرَتْ فَوْقَ السَّبْعِينَ سَنَةً، وَكَانَتْ مِنَ الصَّالِحَاتِ، وَلَدَتْ تِسْعَةَ بَنِينَ، وَلَمْ تُرْزَقْ بِنْتًا قَطُّ، تُوُفِّيَتْ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ الْعِشْرِينَ مِنْ شَوَّالٍ، وَدُفِنَتْ بِالصُّوفِيَّةِ، وَحَضَرَ جِنَازَتَهَا خَلْقٌ كَثِيرٌ.»

ونسبته النميري إلى قبيلة بني النمير العربية وقد ذكر هذه النسبة أكثر المؤرخين الذين عُنوا بابن تيمية، ونسبه القاسم بن يوسف التجيبي (المتوفى في سنة 730هـ) إلى قبيلة سليم، وكلا القبيلتين من قيس، بينما ذكرَ محمد أبو زهرة أن ابن تيمية كان كردياً.

سبب تسميته بابن تيمية.

فقد جاء في سبب هذه التسمية عدة أقوال: فقيل أن جده محمد بن الخضر حج وله امرأة حامل، وعندما كان على درب تيماء، رأى جارية طفلة خرجت من خِباء، فلما رجع إلى حران وجد امرأته قد ولدت بنتاً، فلما رآها قال: يا تَيْمِيَّة يا تَيْمِيَّة، فلُقب بذلك. والقول الآخر هو أن محمد بن الخضر هذا كانت أمه تسمى تيمية وكانت واعظة، فنُسب إليها، وعُرف بها.

مولده والهجرة إلى دمشق.

ولد ابن تيمية بمدينة حران الواقعة بالجزيرة الفراتية، في يوم الاثنين 10 ربيع الأول سنة 661 هـ، وقد جاء أيضاً أنه ولد في يوم 12 ربيع الأول. وسماه والده بأحمد تقي الدين، واكتني بأبي العباس وهو يافع، ولكنه اشتهر بابن تيمية، وغلب هذا اللقب على اسمه، وعرف به بين الناس.

نشأ ابن تيمية نشأته الأولى في مدينة حران إلى أن بلغ السابعة من عمره، وعندما أغار عليها التتار، هاجرت عائلته منها سنة 667 هـ إلى مدينة دمشق، وعند وصول آل تيمية واستقرارهم فيها، لم تمر إلا فترة قصيرة حتى بدأ والد ابن تيمية عبد الحليم ابن تيمية بالتدريس في الجامع الأموي وتولى مشيخة “دار الحديث السكرية”.

يقول المؤرخون: «كان لها المكانة العظيمة في نفس شيخ الإسلام رحمه الله، يدل على هذه المكانة تلك الرسالة التي أرسلها إليها من سجنه في القاهرة، والتي امتلأت بالمشاعر الجياشة، والمحبة العظيمة التي كان يكنها لها رحمها الله تعالى.»

نشأته وطلبه للعلم وشيوخه.

حفظ ابن تيمية القرآن في صغره، واتجه بعد حفظ القرآن بدراسة الفقه والأصول وعلوم اللغة العربية وتفسير القرآن، وأصول الفقه والفرائض والخط والحساب والجبر والمقابلة، والحديث، وكان أول كتاب حفظه في الحديث “الجمع بين الصحيحين” للحميدي؛ يقول الحافظ ابن رجب: «عُني بالحديث، وسمع “المسند” مرات، والكتب الستة، و”معجم الطبراني الكبير”.» وتلقى الفقه الحنبلي على يد والده.

سمع ابن تيمية من أزيد من مئتي شيخ كما يذكر جل المؤرخين، ومنهم: ابن عبد الدائم المقدسي، وابن أبي اليسر، والكمال بن عبد، وشمس الدين ابن أبي عمر الحنبلي، وشمس الدين بن عطاء الحنفي، وجمال الدين يحيى ابن الصيرفي، ومجد الدين ابن عساكر، والنجيب المقداد، وأحمد بن أبي الخير الحداد، والمسلم بن علان، وأبو بكر الهروي، والكمال عبد الرحيم، وفخر الدين بن البخاري، وابن شيبان، والشرف بن القواس، وزينب بنت مكي، وست العرب الكندية، وأبو محمد بن عبد القوي في اللغة العربية، وتاج الدين الفزاري، وزين الدين بن المنجى، والقاضي الخويي، وابن دقيق العيد، وابن النحَّاس، والقاسم الإربلي، وعبد الحليم بن عبد السلام (والده)، وشرف الدين أبو العباس أحمد بن أحمد المقدسي، وجمال الدين البغدادي، وإبراهيم بن الدرجي، وعلي بن بلبان، ويوسف بن أبي نصر الشقاوي، وعبد الرحمن بن أحمد العاقوسي، ورشيد الدين محمد بن أبي بكر العامري، وبدر الدين بن عبد اللطيف خطيب حماة، وتقي الدين مُزيز، وتاج الدين أحمد بن مزيز، وجمال الدين أحمد بن أبي بكر الحموي.

أخلاقه.

قالوا في أخلاقه: “نشأ في تصوُّن تامٍّ، وعفاف وتألُّه، واقتصاد في الملبس والمأكل، ولم يزَلْ على ذلك خلقاً صالحاً ، برّاً بوالديه، تقيّاً ورعاً، عابداً ناسكاً، صوَّاماً قوَّاماً، ذاكراً الله -تعالى- في كل أمر، وعلى كل حال، رجَّاعاً إلى الله -تعالى- في سائر الأحوال والقضايا، وقَّافاً عند حدود الله -تعالى- وأوامره ونواهيه، آمراً بالمعروف، ناهياً عن المنكر، فارغاً عن شهوات المأكل والملبس، لا لذَّة له في غير نشر العلم وتدريسه، عُرِض عليه منصبُ قضاء القضاة ومشيخة الشيوخ، فلم يقبل”.

أما شجاعته، فحدِّث عنها ولا حرج، لقد كان شجاعاً صامداً أمام الموت، والشجاعة التي أبداها إزاء المغول، وثبات الجأش الذي ظهر به أمامهم، أثار استغراب الجميع. يصفُه الحافظ سراج الدين عمر بن علي البزَّار بما يلي: “وكان إذا ركِب الخيل يجول في العدو كأعظم الشجعان، ويقوم كأثبت الفرسان، وينكي العدوَّ من كثرة الفتك بهم، ويخوض بهم خوض رجل لا يخاف الموت”.

مؤلفاتة.

يقول الشيخ أبو الحسن الندوي – رحمه الله – عن خصائص ابن تيمية العلمية والتأليفية بعد أن ذكر الذخائر العلمية التي كانت في عصره: “يُبحِر ابن تيمية – بفضل ذكائه وقوة ذاكرته الموهوبة – في هذه الذخائر العلمية بأكملها، واستساغها فكريّاً، واستفاد منها في مؤلفاته استفادة كاملة، إلا أن نفسه الطموح المضطربة، وعقله النادر الكبير، وقلمه السيَّال البليغ، لم يكن كل ذلك ليقنعه بأن يكتفي بالنقل والرِّواية والشرح والتلخيص أو الاختيار، فما كاد يفارقه علمه العميق بكتاب الله -تعالى- واطلاعه الواسع الصحيح على مقاصد الشريعة، وملكته الراسخة في أصول الفقه وأصول التشريع في أي مرحلة من مراحل تأليفه… ولذلك لا نجد أي كتاب من كتبه يخلو من حقائق علمية جديدة، وبحوث ناقدة، ومباحث أصولية جديدة، بل إن مؤلفاته تشق طريقاً جديداً لفهم الكتاب، وتفتح باباً جديداً في إدراك مقاصد الشريعة”.

ولن نعدِّد في هذه العجالة مؤلفاته الكبيرة في العقيدة، والفقه وأصوله، والتفسير، والحديث، قال الذهبي: “ولعل تصانيفه في هذا الوقت تكون أربعة آلاف كرَّاس وأكثر، وفسَّر كتاب الله -تعالى- مدة سنين من صدره أيام الجُمَع”، وهناك كتب كثيرة تحدثت عن مؤلفات ابن تيمية، مع العلم أن أكثر كتبه تحوي بحوث العقائد، والفقه وأصوله، والحديث، والتفسير.

من أبرز كتبه ما يلي:

١ – الاستقامة: تحقيق د. محمد رشاد سالم. طبع في جزئين.

٢ – اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم: تحقيق د. ناصر العقل طبع في جزئين.

٣ – بيان تلبيس الجهمية: حقق في ثمان رسائل دكتوراه، بإشراف شيخنا فضيلة الشيخ: عبد العزيز بن عبد الله الراجحي.

٤ – الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح: طبع بتحقيق د. علي بن حسن بن ناصر، ود. عبد العزيز العسكر، ود. حمدان الحمدان، وكان في الأصل ثلاث رسائل دكتوراه .

٥ – درء تعارض العقل والنقل: طبع بتحقيق د. محمد رشاد سالم في عشرة أجزاء، والجزء الحادي عشر خُصص للفهارس .

٦ – الصفدية: تحقيق د. محمد رشاد سالم، طبع في جزئين.

٧ – منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة القدرية: تحقيق د. محمد رشاد سالم، وطبع في ثمانية أجزاء، وخصص الجزء التاسع منه للفهارس .

٨ – النبوات: مطبوع .وله من الكتب والرسائل الكثير جداً مما طبع بعضه مستقلاً، وبعضه في مجاميع كبيرة وصغيرة، والكثير منه لا يزال مخطوطاً سواء كان موجوداً أو في عداد المفقود .

تأثير ابن تيمية في الفكر الإسلامي المعاصر.

تأثر الكثير من المدارس الفكرية العربية والإسلامية بفكر ابن تيمية ومنهجه السَّلفي في الدين والأخلاق والتربية ومنهج المعرفة.

♦ في الجزيرة العربية كان تأثير ابن تيمية واضحاً في حركة التوحيد التي بدأها الشيخ محمد بن عبدالوهَّاب، ومعروف دورُها في تاريخ الجزيرة العربية بخاصة، والأقطار العربية والإسلامية بعامة، ولقد وصف المستشرق “ورنكان ماكدونالد” هذه الحركةَ بأنها “النقطة المضيئة في تاريخ العالم الإسلامي خلال فترة الركود والجمود”، ووصفها المفكر والشاعر الإسلامي الكبير محمد إقبال بأنها أول نبضة حياة في تاريخ المسلمين الحديث، وأن آثارها قد استلهمتها بشكل مباشر أو غير مباشر جميعُ حركات الإصلاح في العالم العربي وفي الهند وإفريقية وغيرها.

وتأثَّرت به أيضاً مدرسةُ الشيخ محمد عبده وتلميذه الشيخ محمد رشيد رضا، ويظهر ذلك من خلال الأبحاث التي كانت تنشرها “مجلة المنار” التي صدرت في القاهرة في الفترة 1898 – 1935م، ولاقتِ انتشاراً واسعاً في مصر وخارجها.

♦ وفي المغرب دخلت أفكار ابن تيمية عن طريق الحركة السَّلفية بمصر، ووجدت صداها في الشيخ عبدالحميد بن باديس وجمعية العلماء المسلمين في الجزائر.

♦ وبعد الحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية بدا تأثيرُ ابن تيمية واضحاً في مدرستينِ إسلاميتين؛ هما:

• مدرسة أبي الأعلى المودودي وسيد قطب، ومدرسة مالك بن نبي.

• أما مدرسة أبي الأعلى المودودي في القارَّة الهندية ومدرسة سيد قطب في العالم العربي، فنرى تأثيرَ ابن تيمية فيهما واضحاً ، فقد استعملا المصطلحات ذاتها التي استعملها ابن تيمية، مثل: (الجاهلية)، و(إقامة حكم الله في الأرض)، و(لا إله إلا الله منهج حياة)، و(العبادة)، وربط ذلك بمفهوم الشهادتين.

• أما بالنسبة للمدرسة الثانية – مدرسة مالك بن نبي – فقد نشأت كمزيجٍ من التأثر بالاتجاه السلفي الذي بدأه عبدالحميد بن باديس، والتأثر بالخبرات الذاتية لمالك في التراث الإسلامي والتراث الأوروبي، ولقد اتَّجهت هذه المدرسة للتخصص في منهج التحويل النفسي والفكري أو “تغيير ما بالأنفس” كمقدمةٍ “لتغيير ما بالقوم”، ولقد عكس مالك بن نبي في كتبه: (شروط النهضة)، و(مشكلة الثقافة)، و(ميلاد مجتمع) الاتجاهاتِ التي وردت في كتاب ابن تيمية (اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم).

المراجع:

ابن تيمية/https://ar.m.wikipedia.org/wiki

فهمي قطب (18-12-2013)، “نبذة عن حياة ابن تيمية”، www.alukah.net

عبد الله بن صالح، “ترجمة موجزة لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله”، www.saaid.net

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى