اداب

الشعراء المخضرمين.

نبذة.

إنَّ أعظم أثرٍ للإسلام في الشِّعر يظهر جليّاً في ظاهرة الخضرَمة، بِما أنَّ الإسلام قد أحدثَ انتقالاً زمنيّاً بين مرحلة الجاهليَّة ومرحلة الدعوة الإسلاميَّة، وبما أنَّ الإسلام كان اختباراً حقيقيّاً لقدرات الشَّاعر الذي يمتلك أدواته الفنِّية، ويستطيع تطويعَها مهما تغيَّر اعتقاده، ومن ثَمَّ فلا بدَّ أن نفرِّق “بين أن نقول: هذا رجل مخضرم، وأن نقول: شاعر مُخَضرم؛ فالأوَّل يُقصَد بخضرمَتِه أنه جمع بين الدِّينَيْن؛ دين الجاهليَّة، ودين الإسلام، بمعنى أنَّه كان يدين بدين الجاهليَّة، ثم جاء الإسلامُ فأسلم، أمَّا حين نتحدَّث عن شخص بوصفه شاعراً فنقول: إنَّه مخضرم، فهذا يعني – أو ينبغي أن يَعني – أنَّ الخضرمة ليست منصبَّة على تديُّنِه، وإنَّما على شاعريَّته، بمعنى أنَّنا نقصد أنَّ شعره تناولَ العهدين؛ عهد الجاهليَّة، وعهد الإسلام؛ بمعنى أنَّه قال شعراً في كلا الزَّمنَيْن”

معنى الشعراء المخضرمين.

إن معنى الخضرمة في اللغة يوضح القدرة على استعمالها كوصف فني له خصائصه وسماته، وعن ابن رشيق ناقلاً عن بعض اللُّغويين: “قال أبو الحسنِ الأخفشُ: يُقال: ماء خضرم إذا تناهى في الكثرة والسَّعة، فمنه سُمِّي الرَّجل الذي شهد الجاهليَّة والإسلام مخضرماً، كأنه استوفَى الأمرين”، قال: “ويُقال: أذن مخضرمة إذا كانت مَقْطوعة، فكأنه انقطع عن الجاهليَّة إلى الإسلام.

وقال ابنُ قتيبة عن عبدالرحمن عن عمِّه، قال: “أسلم قومٌ في الجاهليَّة على إبِل قَطعوا آذانَها: فسُمِّي كلُّ مَن أدرك الجاهليَّة والإسلام مخضرماً ”.

وعن عليُّ بن الحسين كراع أنه حكى: “شاعر محضرم – بحاء غير معجمة – مأخوذٌ من الحَضْرمة وهي الخَلْط؛ لأنه خلطَ الجاهليَّة بالإسلام” .

أي يطلق على الشاعر الذي عاش في عصرين (المخضرم ) ومن هؤلاء الشعراء:

بشار بن برد، ومروان بن أبي حفصة، وإبراهيم بن هرمة، والحسين بن مطير، وآدم بن عبد العزيز، وغيرهم، ومن الجدير بالذكر أن الشعراء ممن عاشوا بين عصرين تأثروا بالأحوال السائدة فيهما، ولا بد أن تظهر في أشعارهم آثار العصرين، أما عن الناحية النفسية فقد واجه العديد من المخضرمين حالة من التردد والاضطراب فيما بين الانجذاب لعصر مضى والانتماء للعصر الجديد مما آثر على عوامل ركود الشعر.

من هم الشعراء المخضرمين ولماذا سموا بهذا الاسم.

إنَّ الشعراء المخضرمين هم الشعراء الذين عاشوا نصف عمرهم في الجاهلية ونصفه الآخر في الإسلام، أي أنَّهم الشعراء الذين زمنين اثنين وعصرين اثنين من عصور الشعر العربي التاريخية وهما عصر الجاهلية وعصر صدر الإسلام، وسبب تسميتهم بهذا الاسم هو أنَّهم عاشوا في زمنين اثنين مختلفين تماماً ، أي أنَّهم عاصروا الكثير من القيم المتناقضة فلذلك سُموا بالمخضرمين.

أسماء الشعراء المخضرمين.

إنَّ الشعراء المخضرمين كُثرٌ وفحول، اشتهر كثيرون منهم بقصائد عظيمة كتبوها في الجاهلية وقصائد عظيمة أيضاً كتبوها في الإسلام.

وفيما يأتي نسلط الضوء على أشهر الشعراء المخضرمين:

١. كعب بن زهير .

هو كعب بن زهير بن أبي سلمى الشاعر الجاهلي المعروف، كنيته أبو المضرَّب، وهو من الشعراء المخضرمين، فقد عاش في الجاهلية ولازم أباه زهير الشاعر الفحل ثمَّ عاش في الإسلام وأدرك النبي -صلَّى الله عليه وسلَّم- وكتب له قصيدة البردة الشهيرة، يرى النقاد أنَّ كعباً من أشعر شعراء العرب، وهو من عائلة كلها شعراء، فأبوه زهير بن أبي سلمى شاعر من شعراء المعلقات، وأخوه بجير بن زهير كان شاعراً فحلاً، وابنه عقبة بن كعب شاعر أيضاً ، وحفيده العوام شاعر معروف.

٢. حسّان بن ثابت.

هو حسّان بن ثابت بن المنذر بن حَرم شاعر الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم، وهو من الشعراء المخضرمين، قال الشعر صبيا وأبدع فيه فكان من أوائل الشعراء في قبيلة الخزرج، اشتهر حسان في الجاهلية شهرة واسعة، وكان من الشعراء الذين يرتادون سوق عكاظ، وفي سوق عكاظ التقى بالنابغة الذبياني أحد أشهر شعراء الجاهلية، والتقى الأعشى ميمون بن قيس والتقى الخنساء أيضاً ، ولمَّا جاء الإسلام دخل حسان في الإسلام مع قومه كلِّهم، وكان شاعر الرسول الذي يذود عنه بالشعر رداً على ما يكتب شعراء قريش، وبسبب بسالته وجهاده في الشعر لُقِّب بشاعر الإسلام وشاعر الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم.

٣. الخنساء.

هي تماضر بنت عمرو بن الحارث السلمية المعروفة بالخنساء، والخنساء لقب أطلق عليها في الجاهلية بسبب قصر في أنفها، وهي من المخضرمين، كان في الجاهلية شاعرة ذائعة الصيت، اشتهر بالرثاء، فقد كتبت أجمل المراثي في الشعر العربي لأخيها صخر، ولمَّا جاء الإسلام أسلمت الخنساء مع قومها، وانتقلت حياتها من اليأس والاكتئاب والأسى الذي كانت تعيشه في الجاهلية بسبب فقد أخويها، إلى التفاؤل والصبر الذي دفعها إليه الإسلام، وبعد الإسلام فقدتِ الخنساء أبناءها الأربعة الذي استشهدوا دفاعاً عن الإسلام، فلم يرَ الناس الخنساء إلَّا صابرة محتسبة موت أبنائها عند الله تعالى.

٤. الحطيئة.

اسمه أبو مُلَيْكة جرول بن أوس بن مالك العبسي، وقد عُرف بالحطيئة، وهو شاعر من الشعراء المخضرمين، فقد أدرك عصر الجاهلية وعاش فيه زمناً ، ثمَّ أدرك الإسلام فأسلم في زمن خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه، كان الحطيئة شاعراً هجّاءً، لم يسلم أحد من هجائه، حتَّى أنَّه هجا نفسه وهجا أباه وأمَّه وزوجته، وقد عاش الحطيئة حتَّى عام 30 للهجرة، وله اليوم ديوان شعر مطبوع، انتشر ديوانه أول مرَّة في عام 1890م في تركيا.

الشعراء المخضرمين وتاثرهم بالإسلام.

إن تمسك الشعراء ببعض تقاليدهم الفنية التي شكلت شاعريتهم في العصر الجاهلي يُعتبر من الأدلة على قدرة الشعراء وخضرمتهم الفنية، وهذا لا يكون دليلاً على تأثير الإسلام في الشعر أم عدم تأثيره، لأن الشعراء المخضرمين قد أصبح عليهم أن يجمعوا جمعاً هادئاً ، وأن يوفقوا بصورة دقيقة بين القداسة التي لا يزالون يحملونها بغير إرادتهم للقديم، والولاء لما أقروا بعجزهم عن التنكر له وقد اكتمل عند كبار الشعراء النضج الفني في العصر الجاهلي، ومع هذا النضج تم ترسيخ الصورة الكاملة للأداة في أذهانهم، فقد كانت خصائصهم كالتالي:

١. ملكوا ناصيتها.

٢. بلغوا فيها شأناً كبيراً من التطويع للفن.

٣. استخراج العديد من الطاقة الإيحائية عندما تدخل بمجالات الصياغة الجمالية.

وهكذا تظهر الأداة وقد استطاعت بدورها من السيطرة على كيان الشاعر، بالإضافة إلى أنها قامت بنشر ظلالها على العصر بالكامل، فكان الخروج عليها أو رفضها أمراً صعب، ولم تكن مُتاحة لكبار شعراء العصر، فكيف يكون الوضع مع الشعراء الأقل منهم.

خصائص الشعراء المخضرمين في العصر الإسلامي.

إن الزمن يُعتبر اختبار شديد لقدرات الشعراء على القول، وخصوصاً مع تغيير المعتقدات، في حين أنه لا يُعد كل شاعر قال في العصر الجاهلي والإسلامي مخضرماً ، ولكن يُقال عن من ظلت سمات أشعاره قبل الإسلام وقام بالمحافظة عليها في الإسلام، وإلا فما يكون السبب في كون شعراء الإسلام في صدر الدعوة (حسان وكعب وابنَ رواحة) على الرغم من وجود العديد من الشعراء غيرهم، وهذا يرجع لأن لكل منهم خصائصه في لون مُحدد من أساليب القول، فمثلاً الهجاء في شعر حسان مثل: قول المصطفَى – صلَّى الله عليه وسلَّم – فيما رواه مسلمٌ عن عائشة – رضي الله عنها – “أنَّ رسول الله – صلَّى الله عليه وسلَّم – قال: ((اهجوا قريشًا؛ فإنه أشدُّ عليها من رَشْق بالنبل))، فأرسل إلى ابنِ رواحة قال: ((اهجُهم))، فهجاهم، فلم يَرْض، فأرسل إلى كعب بن مالك، ثم أرسل إلى حسَّان بن ثابت، فلمَّا دخل عليه حسَّانُ قال: قد آنَ أن تُرسلوا إلى هذا الأسد الضارب بِذنَبِه، ثم أدلعَ لسانه فجعل يحرِّكه، فقال: والذي بعثَك بالحقِّ لأَفْرينَّهم بلساني فَرْي الأديم، فقال رسولُ الله – صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((لا تعجل؛ فإنَّ أبا بكرٍ أعلمُ قريشٍ بأنسابها، وإنَّ لي فيهم نَسبًا، حتَّى ينجلي لك نسبي))، فأتاه حسَّان، ثم رجع، فقال: يا رسول الله، قد لخص لي نسبَك، والذي بعثك بالحقِّ، لأَسُلَّنَّك منهم كما تُسَلُّ الشعرة من العجين”.

كما أنهم تمكنوا من وصف الحرب مثل كعب، وقد كانت إجادةٌ خَشِي منها المصطفى – صلَّى الله عليه وسلَّم – على نسَبِه، فأرسله إلى سيِّدنا أبي بكرٍ ليلخِّص له نسبه، ويؤكِّد ذلك ما جاء في رواية ابن وهبٍ عن أبي سلمة بن عبدالرحمن: “فكان كعبٌ لا يُحسِن إلاَّ في الحرب، فهَجاهم، فلم يَرْض رسولُ الله – صلَّى الله عليه وسلَّم – ثم أرسل إلى حسَّان، وكان يكره أن يرسل إليه… الحديث”

المراجع:

الخضرمة الفنيةودورها في توثيق الشعر العربي/https://www.alukah.net

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى