الإسلام

تفسير سورة الفلق.

مقدمة.

سورة الفلق هي سورة مكية، من المفصل، آياتها 5، وترتيبها في المصحف 113، في الجزء الثلاثين، بدأت بفعل أمر{ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ } ، نزلت بعد سورة الفيل، ويُطلق عليها وعلى سورة الناس اسم المعوذتين.

نص السورة.

بسم الله الرحمن الرحيم. 
قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (٢) وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (٣) وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (٤) وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ. 

التسمية.

سمى النبي محمد سورة الفلق بـ “قلْ أعوذ بربّ الفلق”، وهي وسورة الناس تسمّيان «الْمعوّذتيْن»، ذلك لأنهما تبتدئان بعبارة ﴿قُلْ اَعوذُ﴾. فقد روى أبو داود والترمذي وأحمد بن حنبل عن عقبة بن عامر قال: أمرني رسول الله أن أقرأ بالمعوذات أي: آيات السورتين، وفي رواية بالمعوذتين في دبر كل صلاة، ولم يذكر أحد من المفسرين أن الواحدة منهما تسمى المعوذة بالإفراد، وسماها ابن عطية الأندلسي في «المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز» «سورة الْمعوّذة الأولى»، وعنْونهما أبو عيسى محمد الترمذي في سننه «الْمعوّذتيْن»، وتسميتها في المصاحف وكتب التفسير «سُورَةَ الفلق».

سبب نزول السورة.

ذكر المفسرون أن المعوذتين نزلتا بسبب أن لبيد بن الأعصم سَحَرَ النبي، وبالرغم من أن قصة لبيد بن الأعصم وردت في الصحيحين إلا أن الربط بينها وبين نزول السورتين لم يرد في الكتب الستة، وقد قيل إن سبب نزولهما أن قريشاً ندبوا من اشتهر بينهم أنه يصيب النبي بعينه -أي بالحسد-، فنزلت المعوذتان ليتعوذ منهم بهما؛ لكن السبب الأول أشهر.

ورد في سبب نزول سورتي المعوذتين، ما ذكره جلال الدين السيوطي في كتابه لباب النقول في أسباب النزول، وأخرجه البيهقي في دلائل النبوة عن ابن عباس قال: مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم مرضاً شديداً ، فأتاه مَلَكان، فقعد أحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه، فقال الذي عند رجليه للذي عند رأسه: ما ترى؟ قال: طُبَّ، قال: وما طُبَّ؟ قال: سُحِرَ، قال: ومَنْ سَحَره؟ قال: لبيد بن الأعصم اليهودي، قال: أين هو؟ قال: في بئر آل فلان تحت صخرة في رَكِيَّة، فَأْتوا الرَّكِيَّة، فانزحوا ماءها، وارفعوا الصخرة، ثم خذوا الكُدْية وأحرقوها، فلما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث عمار بن ياسر في نفر، فَأَتوا الرَّكِيَّةَ، فإذا ماؤها مثل ماء الحناء، فنزحوا الماء، ثم رفعوا الصخرة، وأخرجوا الكُدْيَةَ، وأحرقوها، فإذا فيها وتر فيه إحدى عشرة عقدة، وأُنزلت عليه هاتان السورتان، فَجَعل كلما قرأ آية انحلت عقدة: { قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ } { قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ} .

وفي ذات السبب أخرج أبو نعيم في دلائل النبوة عن أنس بن مالك قال: صنعت اليهود لرسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً، فأصابه من ذلك وجع شديد، فدخل عليه أصحابه فظنوا أنه لُمَّ به، فأتاه جبريل بالمعوذتين، فعوذوه بهما، فخرج إلى أصحابه صحيحاً .

زمن النزول.

اختلف في زمن نزول سورة الفلق، فقيل مكية، وقيل مدنية، والأشهر أنها مكيّة؛ فقد نزلت سورة الفلق بعد نزول سورة الفيل وقبل نزول سورة الناس، فتكون على ذلك السورة العشرين من سور القرآن نزولاً. وبالرغم من عدم وجود خلاف في مكيّة سورة الفيل، إلا أن الخلاف في زمن نزول المعوذتين يأتي من ربط بعض المُفسِّرين بين نزولهما وقصة لبيد بن الأعصم التي حدثت في المدينة. لذا أنكر عدد من المُفسِّرين العلاقة بينهما مثل الواحدي ومحمد الطاهر بن عاشور، وقالا بأنها مكية،بينما رجح ابن كثير الدمشقي، والسيوطي أنها مدنية.

تفسيرها.

رَوَى مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَأَحْمَدُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ «أُنْزِلَتْ عَلَيَّ ءَايَاتٌ لَمْ أَرَى مِثْلَهُنَّ الْمُعَوِّذَتَيْنِ».

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١)﴾ قَالَ الْبُخَارِيُّ: «وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْفَلَقُ: الصُّبْحُ»، وَ﴿قُلْ﴾ أَيْ يَا مُحَمَّدُ وَ﴿أَعُوذُ﴾ أَسْتَجِيرُ.

﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (٢)﴾ فِي الْقُرْطُبِيِّ: «هُوَ عَامٌّ، أَيْ مِنْ شَرِّ كُلِّ ذِي شَرٍّ خَلَقَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ»، وَقَدْ ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (٢)﴾ فِي كِتَابِ الْقَدَرِ مِنْ صَحِيحِهِ، قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: «يُشِيرُ – أَيِ الْبُخَارِيُّ – بِذِكْرِ الآيَةِ إِلَى الرَّدِّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْعَبْدَ يَخْلُقُ فِعْلَ نَفْسِهِ لأَنَّهُ لَوْ كَانَ السُّوءُ الْمَأْمُورُ بِالاسْتِعَاذَةِ بِاللَّهِ مِنْهُ مُخْتَرَعاً لِفَاعِلِهِ لَمَا كَانَ لِلاسْتِعَاذَةِ بِاللَّهِ مِنْهُ مَعْنًى، لأَنَّهُ لا يَصِحُّ التَّعَوُّذُ إِلا بِمَنْ قَدَرَ عَلَى إِزَالَةِ مَا اسْتُعِيذَ بِهِ مِنْهُ». وَقَرَأَ ابْنُ يَعْمَر خُلِقَ بِضَمِّ الْخَاءِ وَكَسْرِ اللامِ.

﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (٣)﴾ قَالَ الْبُخَارِيُّ: «وَقَالَ مُجَاهِدٌ: غَاسِقٌ اللَّيْلُ إِذَا وَقَبَ غُرُوبُ الشَّمْسِ». قَالَ الرَّاغِبُ فِي الْمُفْرَدَاتِ: «وَذَلِكَ عِبَارَةٌ عَنِ النَّائِبَةِ بِاللَّيْلِ كَالطَّارِقِ»، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: «فِي اللَّيْلِ تَخْرُجُ السِّبَاعُ مِنْ ءَاجَامِهَا وَالْهَوَامُّ مِنْ أَمَاكِنِهَا وَيَنْبَعِثُ أَهْلُ الشَّرِّ عَلَى الْعَبَثِ وَالْفَسَادِ». وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَظَرَ إِلَى الْقَمَرِ فَقَالَ لِعَائِشَةَ «اسْتَعِيذِي بِاللَّهِ مِنْ شَرِّهِ فَإِنَّهُ الْغَاسِقُ إِذَا وَقَبَ» قَالَ التِّرْمِذِيُّ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (٤)﴾ هُنَّ السَّوَاحِرُ، وَالنَّفَّاثَاتُ جَمْعُ نَفَّاثَةٍ مِثَالُ مُبَالَغَةٍ، قَالَهُ السَّمِينُ الْحَلَبِيُّ، وَفِي الْمُفْرَدَاتِ: «النَّفْثُ قَذْفُ الرِّيقِ الْقَلِيلِ وَهُوَ أَقَلُّ مِنَ التَّفْلِ». وَمَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ أَيِ السَّاحِرَاتِ اللاتِي يَنْفُثْنَ فِي عُقَدِ الْخَيْطِ حِينَ يَقْرَأْنَ عَلَيْهَا.

﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (٥)﴾ يَعْنِي الْحَاسِدَ إِذَا أَظْهَرَ حَسَدَهُ وَهُوَ كَرَاهِيَةُ النِّعْمَةِ لِلْمُسْلِمِ وَتَمَنِّي زَوَالِهَا وَاسْتِثْقَالُهَا لَهُ وَعَمَلٌ بِمُقْتَضَاهَا، دِينِيَّةً كَانَتِ النِّعْمَةُ أَوْ دُنْيَوِيَّةً، فَالْحَاسِدُ لا يُؤَثِّرُ حَسَدُهُ إِلا إِذَا أَظْهَرَهُ بِأَنْ يَحْتَالَ لِلْمَحْسُودِ فِيمَا يُؤْذِيهِ أَمَّا إِذَا لَمْ يُظْهِرِ الْحَسَدَ فَمَا يَتَأَذَى بِهِ إِلا الْحَاسِدُ لاغْتِمَامِهِ بِنِعْمَةِ غَيْرِهِ، وَقِيلَ: الْحَسَدُ أَوَّلُ مَعْصِيَةٍ عُصِيَ بِهَا اللَّهُ فِي الْجَنَّةِ أَيْ حَسَدُ إِبْلِيسَ لِنَبِيِّ اللَّهِ ءَادَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وَأَوَّلُ مَعْصِيَةٍ عُصِيَ بِهَا فِي الأَرْضِ أَيْ حَسَدُ قَابِيلَ هَابِيلَ ثُمَّ قَتْلُ قَابِيلَ لِهَابِيلَ.

فوائد سورة الفلق.

▪️ الأمر بالاستعاذة بالله ، والتي تقي من شرور الإنس والجن، ( قُلۡ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلۡفَلَقِ ) ، [ الفلق 1 ].

▪️ التفكر في الكون و التدبر في أيات الله ، الذي هو رب الفلق (مِن شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ ، [الفلق 2].

▪️ الانتباه الدائم لضرورة الاستعاذة بالله ، من شر المخلوقات، ( وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾ ، [الفلق 3].

▪️ الاستعاذة بالله من شر الساحرات ، وغيرهم من الفجار ، (وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ [الفلق 5].

▪️ الاستعانة بالله للحماية من شر الحسد والحاسدين.

▪️ التحصين الواجب على كل إنسان من شر المخلوقات سواء من انس وجن.

▪️ أهمية الاستعانة بآيات الله واذكار الصباح والمساء في تحصين النفس.

▪️ الاهتمام بأذكار الملبس والدخول والخروج وقضاء الحاجة، و السفر وغيرها من أذكار الاستعانة بالله ، التي يتحصن بها المسلم.

▪️ التحذير من الدجالين والسحرة وأعمالهم ، والتعامل معهم ، أو إتيانهم ، وتصديقهم في بهتانهم.

▪️ الاهتمام التحصين من الحسد ، والرقية الشرعية ، للتخلص من أثر الحسد على الجسد.

▪️ يستعين بالله في التحصن بقراءة سورة الفلق ، ولا يستعان إلا به.

▪️ المؤكد لدى كل إنسان أنه كائن ضعيف ، والاستعانة بالله هي السبيل في القوة.

▪️ حرمة الذهاب إلى أشرار الناس من العرافين والسحرة.

▪️ التنبيه على الليل و ما فيه من شرور يجب الحذر والتحصن منها.

▪️ ضرورة تعلم قضايا العقيدة والتي هي السبيل للإسلام الصحيح.

▪️ التنفير من أمراض القلوب السيئة مثل الحسد ، والتشديد على ذلك حتى وردت في القرآن الكريم استعاذة منها دليل عظم أمرها ، والحذر منها.

▪️ الصبر على المكاره مثل الحسد ، والتوكل على الله في التخلص منها.

▪️ التنبيه على شر المخلوقات والذي لا يتوقف على الإنس فقط بل يمتد للجان أيضاً.

المراجع :

سورة الفلق/https://ar.m.wikipedia.org

تفسير سورة الفلق/https://www.islam.ms/ar

فوائد سورة الفلق الروحانية/ https://www.almrsal.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى