اداب

خطوات كتابة القصيدة في الشعر العمودي.

مقدمة.

اهتم النقاد العرب بالكلمة الشعرية، وخصوها بكثير من العناية والدراسة والتفصيل. وذلك لأن اللغة الشعرية هي هوية الإبداع الشعري، وهي العلامة الدالة على انتمائه إلى دائرة الشعر. ولهذا وضع النقاد القدامى شروطاً محددةً للكلام الشعري، بحيث ليس الكلام كله يكون صالحاً لينتمي إلى هذا الفن. بل لابد أن يتحرى الشاعر كثيراً في تعامله مع اللغة، حتى لا ينجرف مع لغات أخرى تبعد عمله من صفة الشعر. فـ”للشعراء ألفاظ معروفة وأمثلة مألوفة لا ينبغي للشاعر أن يعدوها، ولا أن يستعمل غيرها”.

ولهذا طالب النقاد باختيار الألفاظ وانتقائها حتى تتميز لغة الشعر عن غيرها من اللغات المستعملة في العلوم والصنائع وكلام العامة. “فحين نتحدث عن اللغة في الشعر والأدب عامة نقصد اللغة في خصائصها الفنية التي من شأنها أن تثيرها بتعمق مدلولاتها، وتنظيم سياق ألفاظها وجملها بما يوسع نطاقاتها الصوتية والإيحائية، ويجدد قرائنها ويغني مجالاتها التعبيرية”.

وعلى هذا الاعتبار، لا يمكن أن تكون كل لغة مادة صالحة للشعر، “لأن لغة الشعر متميزة وذات خصوصية، لأنها لغة إيحاءات، إنها تقف على نقيض اللغة العادية أو لغة العلم التي هي لغة تحديدات ولغة الإيضاح”.

والذي يجعل لغة الشعر تتميز عن غيرها، أنها أكثر من وعاء لحمل المعاني،وأكثر من وسيلة للتعبير عن الأفكار. فهي المعنى نفسه. بحيث تتحول إلى مقصد أساسي في الخطاب الشعري، وإلى هدف مركزي في العملية الإبداعية. “إنها ليست وسيلة لأداء شيء ما، وإنما هي الغاية في حد ذاتها. فالشاعر يبحث عن المعنى، وحيث يعثر عليه، يبنيه بناءً شعرياً من خلال اللغة”.

وترتبط اللغة الشعرية بثقافة الشاعر وبمرجعياته الفكرية وبكل العوامل الذاتية والموضوعية التي تساهم في تجاربه الشعرية. فهي ترجمان لتصوراته وحساسياته، كما أنها صورة معبرة عن انشغالاته وهمومه الفكرية والنفسية والاجتماعية. والشاعر دائم الاختيار والانتقاء بين الألفاظ سعياً وراء ما يمكن أن يخدم مقصديته، ويقدم صورة تقريبية لما يعتمل في ذهنه وأعماقه. وهكذا تأتي اللغة الشعرية منسجمة مع السياق النفسي ومع التجربة الداخلية للمبدع. كما أنها تأتي منسجمة مع السياق الثقافي العام، ومع الاختيارات الفنية والجمالية التي أقرها المجتمع الأدبي، واستساغها الذوق الفني السائد. لأن الشاعر يبقى دائماً ابناً وفياً لبيئته، ولساناً صادقاً حاملاً لرؤية المجتمع الثقافي الذي ينتمي إليه. ولذلك تجد التجارب الشعرية المنتمية لسياق تاريخي أو ثقافي معين، قد انطبعت بالطابع الفني الذي تميز به ذلك السياق. فتحمل آثاراً بارزة وبصمات واضحة لما تم تكريسه، أو لما تم تداوله بين الطبقة المبدعة.

ومما أكد عليه النقاد هو التناسب بين اللغة الشعرية والسياق الشعري. فإذا كان للشعر أغراض وقضايا مختلفة ومتعددة فإن “كل غرض يفترض وجود ألفاظ معينة تحقق بينها، حين تركب نوعا من التماكن والانسجام، وتبعد الانفصال والتباين، وكل غرض من تلك الأغراض يتطور معجمه تطورا ما تبعا للتحولات المجتمعية”.

وقد أشار قدامة بن جعفر إلى هذا التناسب بين لغة الشعر وموضوعها بقوله “ولما كان المذهب في الغزل إنما هو الرقة واللطافة والشكل والدماثة، كان مما يحتاج إليه أن تكون الألفاظ لطيفة مستعذبة، مقبولة غير مستكرهة”.

خُطوات كِتابَة الشِعر العمودي.

خُطوات كِتابَة القَصيدَة :

١. الرَّغبَة.

وَهي حافِز دَاخِلي لِلكِتابَةِ، هَذا الحافِز يَنشَأ مِنْ عِدَة عَوامِل وَهي :

(أ) المَوهِبَة : أَن يَكون لَديكَ المَوهِبة مُنذُ صِغَرِكْ وَغالِباً المَوهوبْ يَكونُ قَدْ قامَ بِمُحاوَلاتٍ كَثيرَةٍ رُبَّما بَعضُها فَاشِلٌ لَكِنَّهُ لا يَستَسلِمْ أَبَداً.

(ب) الحُب : قَدْ لا يَكونْ لَدَيكَ مَوهِبَةً وَلَكِنَّكَ مُحِبٌ لِلشِعرِ قِراءَةً وَحِفظً وَهَذا يَجْعَلُ لَدَيكَ دَافِعاَ قَويًّ لِلتَّعَلُمْ وَالتَطبيقْ.

(ج) الثِقَة : يَنبَغي أَنْ تَثِقْ في نَفسِكْ وَفي قَلَمِكْ فالقَلَمْ إِذا أَحَسَّ بيدٍ مُرتَعِشَةٍ فَإِنَّ هَذا يُزَلزِلُ أَفكَارَهُ فَتَأْتي غَيرَ مُتَناسِقَةْ وَغَيرَ مُعَبِّرَةْ.

(د) الوَقت : يُفَضَّلْ أَنْ تَكتُبَ في مَكانٍ هادِئٍ حَتى لا تُشَتِتَ أَفْكَارَكَ فَتَتَطايَرُ مِنْ رَأْسِكَ المَعاني وَالكَلِماتْ، وَيُستَحْسَنْ أَنْ تَشْحِنَ نَفسَكَ قَبْلَ الكِتابَةِ مُباشَرَةً بِكَمٍ مِنَ المَشاعِرِ مَثَلاً كَأَنْ تُشَاهِدَ فِلْماً عَنْ مَأساةٍ مُعَيَّنَةٍ، أَو كَأَنْ تَكتُبَ مُباشَرَةً بَعْدَ جَرْحِ حَبيبٍ أَو رِضاه.

(ه)كَثرَةُ القِراءَة : قِراءَةُ الشِعرِ مِنْ أَهَمِّ العَوامِلِ الَّتي تُحَفِّزُ لِلكِتابَةِ فَهي تُثْريكَ أَدَبياً حَتَّى يَكونَ لَدَيكَ حَصيلَةٌ مِنَ الأَلفاظِ وَالمَعاني وَالأَسَاليبِ الأَدَبيةِ وَمِنَ المَعروفِ أَنَّهُ كُلَّما زَادَتْ الخَياراتْ كُلَّما أُتيحَتْ الفُرْصَةُ لاخْتيارِ الأَفْضَلْ.

(و) حُبْ الإِبْداع: الإِنسانُ المُحِب لِلإِبداعِ يَكونُ لَدَيهِ دافِعٌ لِلكِتابَةِ وَالتَمَيُّزِ أَيضاً.

(ز) الغيرَة : قَدْ تَكونُ الغيرَةُ مِنْ أَسبابِ الكِتابَةِ وَهَذا ما دَفَعَني لِطَلَبِ إِنشاءِ رُكْنٍ خاصٍ لإِبداعاتِ الأَعْضاءِ حَتى نَجِدَ رُوحَ التَنافُسِ، فَرَأَينا بَعضَ الأَعضاءِ زَادَ الحَافِزُ لَدَيهِم فَأَبدَعوا في مَجَالِ القِصَةِ وَالخَاطِرَةِ وَالشِعر.

*هَذِهِ القَواعِدُ لِجَميعِ أَنواعِ الكِتاباتِ الأَدَبيَّةِ سَواءٌ كانَتْ شِعراً أَو نَثراً أَو أَيُّ نَوع.

٢. الفِكْرَة.

تَأتي في المَقامِ الثاني بَعدَ الرَغبَةِ وَهي بِمَثابَةِ سَقفِ القَصيدَةِ الَّذي يَظهَرُ وَيَصِلُ لِلنَّاسِ، أَمَّا أَعمِدَتُها فَهي الأَوزان فَبِدونِها يَسقُطُ السَقفُ وَكَذلِكَ فَهي سَقفُ كُلُ عَمَلٍ أَدَبيٍّ مِنْ شِعرٍ وَنَثرٍ وَغَيرِهِ وَعَمودُ النَثرِ هُوَ البِناءُ اللُغَوي وَالأُسلوبُ الأَدَبي.

وَالفِكرَةُ تَنشَأْ مِمّا يُساوِرُ النَّفسَ مِنْ مَشَاعِرَ وَأَحاسيسَ سَواءً كانَتْ مُحيطَةً أَو دَاخِلية، مُحيطَةً كالأَحداثِ سَواءً سياسية أو دينية أو خاصة، وَداخِليةً كالحُبِ وَالهَمِّ وَالاكتِئابِ.

فَيَنبَغي أَنْ تَجِدَ الفِكرَةَ المُناسِبَةَ وَعَلى هَذا فَلا تَحزَنْ إِنْ كانَتْ كِتاباتُكَ قَليلَةً، المُهِم أَنْ تَكونَ ذاتَ مَعنى.. وَأَخْتَلِفُ هُنا مَعَ كَثيرٍ مِنْ الشُعَراءِ الكِبارِ في قَولِهِمْ أَنْ الفِكرَةَ يَنبَغي أَنْ تَكونَ حَاضِرةً بِأَكمَلِها، وَأَقولُ أَنْ هَذا لَيسَ بِشَرطٍ فََقَدْ تَكتُبُ بَيتَينِ ثُمَّ تُلقي أَوراقَكَ وَتُكْمِلُها في حينٍ آخَرَ وَقَدْ تَطْرَأُ عَلَيكَ فِكْرَةً جَديدَةً أَثْناءَ الكِتابَةِ المُهِمُ أَنْ تَحصُلَ عَلى الفِكْرَةِ الرَئيسية، أَمَّا العَناصِرُ فَهي تَحتَ مَشيئَتِكَ إِنْ شِئتَ كَتَبتَها في وَرَقَةٍ جَانِبيَةٍ حَتى تَستَحضِرَها وَإِنْ شِئْتَ تَرَكتَ لِخَيالِكَ العَنانَ خَاصَةً أَنْ الوَزنَ والقَافِيَةَ قَدْ يُلزِمانِكَ – وَخاصَةً في بِداياتِكَ الشِعْريةِ – بِحَذْفِ فِكرَةٍ مُعَيَّنَةٍ لِعَدَمِ استِطاعَتِكَ دَمجَها في بَيتٍ مَوزونٍ مُعَبِر.

٣. الوَزن.

يَنبَغي في البِدايِةِ تَحديدَ الوَزنِ الَّذي سَتُكتَبُ عَليهِ القَصيدَةُ وَإِنْ كانَ الأَصلُ أَنَّ القَصيدَةَ تَخرُجُ مِنْكَ عَلى الوَزنِ الَّذي يَقَعُ في خُلْدِكَ بِغَيرِ اتِّفاقٍ، وَمَما يُساعِدُ عَلى الكِتابَةِ المَوزونَةِ -بَعدَ دِراسَةِ البَحرِ أَو لِمَن لَدَيهِ مَوهِبَةً – كَثْرَةُ القِراءَةِ عَلى نَفسِ البَحر، فَإِذا أَرَدْتَ أَنْ تَكْتُبَ عَلى بَحرِ الطَويلِ فاقرَأْ الكَثيرَ بَلْ وَاحْفَظْ – ما أَمكَنَكَ- القَصائِدَ الَّتي تُصادِفُكَ عَلى بَحرِ الطَويلِ حَتى تَشعُرَ كَأَنَّهُ أَصبَحَ نَغَمَةً يُمكِنُكَ تَحويلُ أَيِّ كَلامٍ لَها وَالتَّغَني بِأَيِّ كَلِماتٍ عَلى لَحنِها.

أَثناءَ قِراءَتِكَ لِتِلْكَ القَصائِدَ حاوِلْ أَنْ تُغَيِّر بَعضَ الكَلِماتِ بِنَفسِكَ لِتُعطي نَفسَ المَعنى دونَ أَنْ تَكْسِرَ البَيتَ لِأَنَّ هَذا يعُطيكَ لُيونَةً وَيُثري حَصيلَتِكَ اللُغَويَة.

٤. القافية.

في كَثيرٍ مِنَ الأَحيانِ -كَما ذَكَرنا – يَكتُبُ المَرءُ القَصيدَةَ بِدونِ أَي تَحضيرٍ وَهُنا فَإِنَّ الوَزنَ يَأتي بِدونِ إِعدادً لَهُ وَكَذلِكَ القافية.في البِدايات، حاوِلْ أَنْ تَكتُبَ المَطلَعَ ذاتياً حَتى يَكتَمِلَ وَزنُهُ كَما ذَكَرنا وَتَتَّضِحْ قَافِيَتُهُ، ثُمَّ ابحَثْ عَنْ أَيِّ قَصيدَةٍ عَلى نَفسِ الوَزنِ وَاقتَبِس مِنها القَوافي ثُمَّ نَقِّحها بِحَيثُ تَختارَ مِنها ما يُناسِبُ فَكرَتَكَ المَطروحَة، وَفي الحَقيقَةِ أَنَّ الشاعِرَ الناجِحَ يَستَطيعُ تَوظيفَ أَيَّ قافِيَةٍ.

الطَريقَةُ السابِقَةُ مَفيدَةٌ جِدّاً خاصَةً مَعَ البِدايات، كَذَلِكَ فَإِنَّها تُثريكَ لُغَويّاً فالقافِيَةِ عِندَما تَقرَأُها كَثيراً وَتَكتُبُ أَبياتَكَ الخاصَّة بِها فَإِنَّها تُختَزَنُ في ذاكِرَتِكَ وَيُصبِحُ استِحضارُها سَهلٌ، وَلَكِنْ يَعيبُ هَذِهِ الطَريقَةُ أََنَّها قَدْ تُفقِدَكَ تَسَلسُلَ الأَحداثِ، لَكِنْ لَو كانَ لَدَيكَ حِسٌ أَدَبيٌ بِإِمكانِكَ تَلافي هَذِهِ المُشكِلَة.

٥. المَطلَع.

قَدْ يَظُنُّ البَعضُ أَنَّ مَطلََعَ القَصيدَةِ وَالَّذي أُطْلِقُ عَليهِ ” المَنسوخ” هو أَصعَبُ شَيءٍ فيها لِأَنَّ ما بَعدَهُ يُعتَبَرُ نَسْخاً لَهُ في الوَزنِ وَالقافِيَةِ، لَكِنَّني أَعتَقِدُ أَنَّهُ أَسهَلُ شَيء، فَعِندَ كِتابَتِهِ لا تَكونُ مُلتَزِماً بِبَحرٍ مُعَيَّنٍ أَو قافِيّةٍ مُعَيَّنَه، عَلى عَكسِ باقي القَصيدَةِ فَإِنَّكَ تَلتَزِمُ بِالوَزنِ وَالقافِيَةِ المُحدَّدانِ في المَطلَع، وَمِنَ المُستَحسَن أَلا تَبدأَ قَصيدَتَكَ بِحَرفي الياء والهاء وَخاصَةً في بِداياتِكَ لِأَنها تَأتي مُتَحرِّكَةً وَخَفيفَةً وَالبيتُ إَذا بَدَءَ بِمُتَحَرِكٍ قَدْ يُلزِمُكَ فَلا يَدَعُ لَكَ المَجالَ الكافي لِلتَعبيرِ مَعَ الحِفاظِ عَلى الوَزن.

في البِداياتِ يُستَحسَنُ أَنْ تُحضِرَ قَصيدَةً عَلى نَفسِ البَحرِ وَتَبدَأ بِبِدايَةٍ مُماثِلَةٍ لَها سَواءٌ أَكانَتْ البِدايَةُ بِنَفسِ البَيتِ أَو حَتى بِالشَّطرِ الأَوَلِ كامِلاً وَيَكونُ الشَّطرُ الثاني مِنْ تَأليفِكَ أَو تَقومَ بِعَمَلِ تَعديلاتٍ خَفيفَةٍ عَلى البَيتِ بِحيث لا تَكسِرَهُ ثُمَّ تُكمِلَ القَصيدَةَ عَلى نَفسِ النَمَطِ وَتُراجِعُها بَيتاً بَيتا ً مُستَعيناً بِما تَعلَّمْتَهُ مِنْ عِلمِ العَروض، بَعدَ فَترَةٍ سَتَكْتَشِفُ أَنَّ هُناكَ أَبياتٍ كَثيرَةٍ في مُنتَصَفِ قَصائِدِكَ بِإمكانِكَ استِخدامَ سياقِها مَعَ تَغييرِ الكَلِماتِ وَالمَعنى لِتُصبِحَ مَطلَعَ قَصيدَةٍ أُخرى بِالإِضافَةِ إِلى أَنَّهُ مَعَ كَثرَةِ كِتابَتِكَ وَإِتقَانِكَ للبَحرِ المُستَخدَم سَيَكونُ مِنْ أَسهَلِ ما يَكونُ أَنْ تَكتُبَ مَطلَعاً خَاصاً بِك فيه إِبداعُكَ وَمَذاقُكَ الخاص.

المراجع:

محمد الحراق، “اللغة الشعرية وهوية النص”، ديوان العرب.

محمد غنيم (26-6-2008)، “مدخل إلى كتابة الشعر”، ديوان العرب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى