قصص الانبياء

قصة سيدنا صالح (عليه السلام)

_ مساكن ثمود وآلهتهم.

لم يعيّن القرآن مساكن ثمود، وإنما يظهر من قول الله تعالى: {وثمود الذين جابوا الصخر بالوادى} أن مساكنهم كانت في مناطق جبلية، او في هضاب صخرية، وأن (الواد) في الآيه هو (وادي القرى) فتكون مواضع ثمود في هذه الأماكن، وقد عيّن اكثر الرواة قرية (الحجر) على أنها المكان الذي كانت فيه ديار ثمود، وذكروا ان بها بئراً تسمى بئر ثمود، وقد نزل بها الرسول – صلى الله عليه وسلم- مع أصحابه في غزوة تبوك و نهى اصحابه عن شرب مائها ودخول منازلها.

وقد كانت ثمود تتعبد لأصنام كثيرة منها الصنم (ود)

و(جد _ هد) و(شمس) و(مناف) و(مناة) و (اللات) وغيرها.

_ الدعوة الى عبادة الله.

أرسل الله نبيه صالحاً إلى قوم ثمود ليدعوهم إلى عبادته وترك عبادة الأصنام وكان مما قاله هذا النبي: يا قوم عبد الله وحده، ولا تشركوا معه أحداً فهو الذي خلقكم من الأرض وهو الذي جعلكم تعمرونها، كما هيأ لكم اسباب العمران، وإذا كان الله هو صاحب هذا الفضل العظيم عليكم ،فحري بكم و واجب عليكم أن تستغفروه مما بدر منكم من سيئات وتتوبوا إليه انه قريب منكم يجيب دعاء الداعي ويغفر ذنب التائب إن كان مؤمناً به مخلصاً في دعائه.

{ وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا ۚ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۖ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ ۚ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ} هود :﴿٦١﴾

_ الإسرافُ المهلك.

كذبت ثمود نبيها المرسل من الله تعالى وابت ان تستجيب إلى عبادة الله وتوحيده وتقواه مع أنه رسول أمين لا يبتغي على رسالته أجراً ولا جزاء.

وكان من عادة قبيلة ثمود الإفراط في اللذات الحسيه من مأكل ومشرب ومساكن فخمه، فأنكر عليهم نبيهم صالح ما هم عليه وقال لهم : هل تظنون أن الله سيترككم فيما أنتم تتمتعون به من هذا النعيم آمنين على أنفسكم من حلول عذاب الله بكم، فتنعمون كما تشاؤون بجنات وعيون، وزروع ونخل حلو ناضج، وتنحتون من الجبال بيوتاً ومساكن ناعمين فرحين بها، ثم لا تشكرون الله على هذه النعم العظيمة، فاتقوا الله وأطيعوني فيما أرشدكم إليه ولا تطيعوا أمر المسرفين الذين أسرفوا على أنفسهم بالكفر والمعصيه، الذين يعيثون في الأرض فساداً ولا يعرفون إلى الصلاح سبيلا.

قال تعالى : {كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ (141) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (142) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (143) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (144) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (145) أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ (146) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (147) وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ (148) وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ (149) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (150) وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (151) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (152)} الشعراء :١٤١ _ ١٥٢

_ ثمود تطلب معجزه.

لم يؤمن الثموديون بما نصحهم به صالح، ولم يسيروا في طريق الحق كما أرشدهم، بل راحوا يتهمونه بالهذيان وأن السحر سيطر على عقله فسول له أنه رسول من عند الله، وطلبوا منه أن يأتيهم بمعجزة تدل على أنه رسول الله حقاً، فأتاهم بالناقة التي خلقها الله على غير المألوف وأمرهم أن لا يمسوها بسوء، فلا تُعذّب ولا تطرد ولا تُركب ولا تُذبح، وجعل الله لها شرباً في يوم معلوم، وجعل لهم شرباً في يوم غيره، ووعدهم بالعذاب أن هم اعتدوا عليها بسوء، وأن سلامتهم مقرونة بسلامتها.

تفَجّر العدَاوة.

مكثت الناقه بينهم زمناً تاكل من نبات الارض، ترد الماء يوماً وتصد عنه يوماً آخر، ولا ريب أن قيامها على هذه الحال قد استمال إليه كثيراً من قوم صالح إذ رأو فيها آيه على صدق نبوته فأفزع هذا الأمر طبقة الأشراف فخافوا على دولتهم ان تبيد، وعلى سلطانهم أن يزول، فبيّتوا في أنفسهم شراً نحو الناقة، ووقفوا من صالح ومن آمن معه موقف العداوة والخصام.

وقد احس صالح بما يبيتون من شر فقال لهم : يا قوم لِمَ تستعجلون العذاب الذي توعدون به قبل التوبة ، هلاّ طلبتم المغفرة من ربكم ليرحمكم ولكن القوم اجابوه : تشاءمنا بك وبمن آمن معك وقد أصابنا القحط بعد أن جئتنا بدعوتك فقال لهم صالح : ليس هناك شيء يتشائم منه فأسباب الخير والشر هي من عند الله، والله سبحانه يختبركم بهذه الشدة التي أنتم عليها لعلكم تؤمنون.

{ قَالَ يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ ۖ لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (46)قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَن مَّعَكَ ۚ قَالَ طَائِرُكُمْ عِندَ اللَّهِ ۖ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ (47)} النمل ٤٦:٤٧

وكان الأشراف المتكبرون يلومون المؤمنين على إيمانهم، فيؤكد لهم هؤلاء المؤمنون المستضعفون بأنهم مؤمنون برسالة صالح.

{ قَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُّرْسَلٌ مِّن رَّبِّهِ قَالُوۤاْ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ ﴿٧٥﴾ قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوۤاْ إِنَّا بِٱلَّذِيۤ آمَنتُمْ بِهِ كَافِرُونَ ﴿٧٦﴾} الأعراف :٧٥_٧٦

عَقْرُ الناقة.

لم يطق الأشراف احتمال هؤلاء المؤمنين، ولا وجود الناقة بينهم، ولعلها كانت ضخمة الجسم فأرعبت أنعامهم، ولعلها حالت بينهم وبين الماء حين اشتداد الحاجه إليه، ولعلهم أفزعهم أن يكثر المؤمنون بسبب هذه الناقة، ولعل هذا كله دفعهم إلى قتلها بالرغم من تحذير نبيهم بالعذاب وتوعده إياهم بالهلاك ان مسوها بسوء، ولكنهم اقدموا على ذبح الناقه غير مبالين، وطلبوا من نبيهم أن يعجّل لهم العذاب الذي هددهم به ،ليثبت لهم أنه رسول من الله.

أمام هذا التحدي لأمر الله اخبرهم صالح بأن عذاب الله واقع بهم بعد ثلاثه ايام:

{ فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (77)} الأعراف :٧٧

{ فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ۖ ذَٰلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ (65)} هود :٦٥

التآمر على قتل صالح.

وكان في ثمود تسعة رجال هم أشد الناس كفراً و فساداً في الأرض فأتمروا فيما بينهم على قتل صالح، واقسموا بالله على مباغتته وأهله وقتلهم سراً، فإذا جاء انصاره واقربائهم ليبحثوا عن قتلته ويطالبوا بدمه انكروا تهمه الجريمه مؤكدين لهم القول بأنهم لم يشهدوا قتله ولم يشتركوا فيه.

وخطط هؤلاء مؤامرتهم للفتك بصالح وأهله، والله من ورائهم قد أراد النجاة لنبيه وأهله، والهلاك لهؤلاء المتآمرين من حيث لا يحتسبون ولا يشعرون.

{ وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ 48 قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ 49 وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ 50 فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ 51 فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ 52}} النمل :٤٨_٥٢

هلاك ثمود.

وكان هلاك ثمود بالصاعقه كما قال تعالى: { فاخذتهم الصاعقه وهم ينظرون}

الصاعقة عبارة عن استفراغ كهربائي يحصل بين كهربائيتين متخالفتين سالبة وموجبة فإذا دنت سحابة ذات كهربائية موجبة من الارض فحين دنوها تحصل الكهربائيه بالتاثر وتتصل بالكهربائية السالبة في الأرض ويكون الإستفراغ أو الإتحاد في جسم ما على الارض فيحترق إذا كان شجراً أو إنساناً و يتفتت إن كان صخراً ويتهدم إن كان بناء، ومبلغ ماتدمره الصاعقه منوط بمقدار كمية الاستفراغ ومبلغ قوة الكهربائيتين.

وقد عبر القرآن عن الصاعقة أيضاً بالرجفة وتارة بالطاغية وتارة بالصيحة

لأن الصاعقة تُحدث صوتاً عظيماً فذلك المراد بتسميتها بالنصيحة، وقد تكون مصحوبه برجفه اشبه بالزلازل ترجف الأفئده من وقعها، وقد تكون في مكان ويطغى تاثيرها حتى يصل إلى مكان آخر.

فما وصفه القرآن للصاعقة بتعابير شتى هو تعبير دقيق يصف آثارها وعواملها ومظاهرها.

المرجع:

مع الأنبياء في القرآن الكريم قصص ودروس وعبر من حياتهم عفيق عبد الفتاح طباره

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى