قصص الانبياء

قِصَّة سيدنا هْود (عليه السلام ).

_ مساكن عاد وآلهتهم.

يُفهم من القرآن أن مساكن عاد كانت بالأحقاف، قال الله تعالى:{ وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ} [الأحقاف: ٢١]

والأحقاف جمع حقف وهي الرمال، ولم يعين القرآن موقعها، إلا أن الإخباريين يقولون: أن موقعها بين اليمن وعُمان الى حضرموت والشحر.

وقد بنت (عاد) مدينة اسمها (إرم) وهي التي جاء ذكرها في القرآن : { أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (6) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (7)} [الفجر : ٧،٦.]

ويرجح علماء الآثار بناءً على تنقيبات كثيرة أن موضع (إرم) هو جبل (رم) ويقع على مسافه 25 ميلاً إلى الشرق من العقبة، وقد وجدت في جانب الجبل آثار جاهلية قديمة.

وقد ذكر الإخباريون أن عاداً عبدوا أصناماً ثلاثة يقال لاحدها: ( صداء وللاخر صمود والثالث الشهباء) .

هذه لمحة موجزة عن عاد ذكرناها لنجعلها مدخلاً للكلام عن نبي الله هود.

_ الدعوة إلى الله.

دعا هود قومه إلى عبادة الله وحده وترك عبادة الأصنام لأن ذلك سبيل لإتقاء العذاب يوم القيامة.

{وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا ۗ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۚ أَفَلَا تَتَّقُونَ} [(65) : الأعراف]

{وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [الأحقاف :٢١]

هذا وقد كانت (عاد) تعتقد أن الأصنام شركاء لله، وأنها تشفع لهم عند الله فقال لهم هود : أنتم كاذبون في هذا الإدعاء لأنه لا يستحق العبادة إلا الله وحده.

{وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا ۚ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۖ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ ﴿٥٠﴾} [هود :٥٠]

ولكن ماذا كان تأثير هذه الدعوة على قبيلة (عاد)؟

لقد احتقروا هوداً واستصغروا شأنه، ووصفوه بالسفه والطيش والكذب ، ولكن هوداً نفى هذه الصفات عن نفسه مؤكداً لهم أنه رسول من رب العالمين لا يريد لهم غير النصح.

{قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (66) قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَٰكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ (67) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ (68)} [الأعراف :٦٦_٦٨]

_ التذكير بنعم الله.

تابع هود مخاطبة قومه محاولاً إقناعهم بالرجوع إلى طريق الحق مذكراً إياهم بنعم الله عليهم، فقال : هل أثار عجبكم واستغرابكم أن يجيئكم إرشاد من ربكم على لسان رجل منكم لينذركم سوء العاقبة بسبب الضلال الذي أنتم عليه؟ ألا تذكرون أن الله جعلكم وارثين للأرض من بعد قوم نوح الذين أهلكهم الله بذنوبهم، وزادكم قوة في الأبدان وقوة في السلطان، وتلك نعمة تقتضي منكم أن تؤمنوا بالله و تشكروه، لا أن تكفروا به، فنصيحتي لكم أن تذكروا فضل الله عليكم لعلكم تفوزون بالسعادة في الدنيا والآخرة.

{أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ ۚ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً ۖ فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴿٦٩﴾}[ الأعراف :٦٩]

ولكن قوم هود لم يقوموا بحق الشكر لنعم الله عليهم، بل انغمسوا في الشهوات، وتكبرّوا في الأرض، فقال لهم هود: مالكم تقيمون فوق كل ربوة بناء شامخاً للتفاخر والعبث، وتنشئون قصوراً في منتهى الفخامة شأن الذين يرجون الخلود في الأرض، وتبطشون بطش الجبابرة ولا ترحمون حين تغضبون، تفعلون كل ذلك بغلظة المستكبرين، فاتقوا الله في ما أمركم واطيعوني فيما أدعوكم إليه من هُدى.

ياقوم اتقوا الله الذي أعطاكم الخيرات الجليلة من بنين وأنعام، وحدائق ومياه، فلا تقابلوا نِعم الله بالكفر والبطر والجبروت فيحل عليكم عذابه ويهلككم.

_ محاورة الوثنيين.

رفضت قبيلة (عاد) الإنصياع لدعوة هود وأصر زعماؤها على عبادتهم لأوثانهم وخاطبوا هوداً: أنك لم تأتنا بحجة واضحة على صحة ما تدعونا إليه، وما نحن بتاركي عبادة آلهتنا، وما نحن لك بمصدقين، وإنا نرى أن بعض آلهتنا مسّتك بشرٍ فصرت تهذي بأقوال باطلة.

أجابهم هود: أشهد الله على صدق ما أقول، و أشهدكم أني بريء من الشرك الذي أنتم فيه، فتعاونوا أنتم وآلهتكم على الكيد لي ثم لا تؤخروا عقابي لحظة إن استطعتم، إني لا أبالي بما تأتمرون لأني اعتمدت على الله مالك أمري وأمركم، فما من كائن حي إلا وهو مالك أمره ومتصرف فيه، إن أفعال ربي تجري على سنن الحق والعدل، فإن اعرضتم عن دعوتي لم يضرني اعراضكم فقد أبلغتكم ما أرسلني الله به إليكم، والله قادر على اهلاككم والمجيء بقوم آخرين غيركم يخلفونكم في دياركم، إن ربي مهيمن على كل شيء.

ثم إن عاداً ضجروا بهود ودعوته وتبرّموا من كثرة نصحه لهم ولم يتركوا وعبادة آلهتهم إلى عبادة الله الذي يدعوهم إليه، وتحدوه أن ينفذ فيهم انذاره ووعيده، عند ذلك قال لهم نبي الله هود :لا بد أن يقع عليكم غضب الله فانتظروا عذاب الله إني معكم من المنتظرين.

_ دعوة الى التوبة.

وانحبس المطر عن قوم هود سنين ثلاثاً بعد دعوتهم إلى الهدى واعراضهم عنه، وكان ذلك انذاراً بقرب حلول العذاب عليهم، وفي هذه الأثناء كان هود لا يفتأ يعظ قومه ويقول لهم: ادعوا خالقكم أن يغفر لكم ما سلف من ذنوبكم، ثم ارجعوا إليه بالتوبة، إنكم إن فعلتم ذلك يرسل لكم المطر متتابعاً ، فتكثر خيراتكم كما انه يزيدكم قوة إلى قوتكم، واياكم أن تعرضوا عما أدعوكم إليه وتصروا على الكفر والإجرام.

_ نجاة المؤمنين وهلاك الكفرة.

بعد انحباس المطر ثلاث سنين جاء أمر الله بإنزال العذاب بقوم هود بعد أن جحدوا رسالة نبيهم واستمروا على كفرهم وطغيانهم ،فنجى الله هوداً والذين آمنوا معه من ذلك العذاب واهلك القوم المجرمين.

امّا كيفية نجاته فإن القرآن لم يبين لنا ذلك، ويرى بعض المؤرخين أن نجاة هود كانت باعتزال قومه بعد يأسه من قبول دعوته وذهابه مع من آمن به إلى مكه وهناك عاش فيها امداً ثم مات هناك ودفن.

اما عاد فقد سلط الله عليهم ريحاً عاصفة تتابعت سبع ليال وثمانية أيام فهلكوا وتأثرت جثثهم على الأرض، كما يطرح النخل الخاوي المنتزع من جذوره واستؤصلوا جميعاً ولم يبقى منهم احد واصبحوا لا يُرى الا مساكنهم.

المرجع :

مع الأنبياء في القرآن الكريم قصص ودروس وعبر من حياتهم عفيف عبد الفتاح طباره.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى