اداب

معلومات عن كتاب كليلة ودمنة

مقدمة.

من أشهر الكتب التي تم تأليفها على الإطلاق الكتاب الذي يعرفه العرب بكليلة ودمنة ، وهو من أكثر الكتب مبيعاً منذ ما يقرب من ألفي عام ، ولا يزال الكتاب يُقرأ بسرور في جميع أنحاء العالم العربي.

كُتبت كليلة ودمنة في الأصل باللغة السنسكريتية ، وربما في كشمير ، في وقت ما في القرن الرابع الميلادي. في اللغة السنسكريتية كانت تسمى بانشاتانترا ، أو “الخطابات الخمسة”. لقد كتب لثلاثة أمراء شبان دفعوا معلميهم إلى اليأس وأبوهم إلى الهاء. خوفاً من أن يعهد بمملكته إلى الأبناء غير القادرين على إتقان الدروس الابتدائية ، قام الملك بتسليم المشكلة إلى وزيره الحكيم ، وكتب الوزير البانشاتانترا، والتي أخفت حكمة عملية عظيمة في شكل سهل الهضم من خرافات الحيوانات. بعد ستة أشهر كان الأمراء في طريقهم إلى الحكمة ثم حكموا بعد ذلك بحكمة. بعد ذلك بمئتي عام ، أرسل شاه فارسي طبيبه الشخصي ، بورزوي ، إلى الهند ليجد عشباً معيناً يشاع أنه يمنح الحياة الأبدية لمن تناوله. عاد Burzoe بنسخة من Panchatantra بدلاً من ذلك ، والتي ادعى أنها جيدة مثل العشبة المعجزة ، لأنها ستمنح القارئ حكمة عظيمة. قام الشاه بترجمته إلى لغة بهلوي ، وهي شكل من أشكال الفارسية القديمة ، وأحبها كثيراً لدرجة أنه وضع الترجمة في غرفة خاصة في قصره.

بعد ثلاثمائة عام ، بعد الفتح الإسلامي لبلاد فارس والشرق الأدنى ، قام شخص فارسي اعتنق الإسلام يدعى ابن المقفع بالصدفة على نسخة بيرزو البهلوية وترجمتها إلى اللغة العربية بأسلوب واضح لدرجة أنها لا تزال تعتبر نموذجاً للغة العربية نثر. يُطلق على الكتاب اسم كليلة ودمنة ، على اسم ابنتي آوى وهما الشخصية الرئيسية ، وقد كُتب الكتاب أساساً لتعليم موظفي الخدمة المدنية. ومع ذلك ، فقد كانت مسلية للغاية لدرجة أنها أثبتت شعبيتها بين جميع الطبقات ، ودخلت التراث الشعبي في العالم الإسلامي ، وحملها العرب إلى إسبانيا. هناك تمت ترجمته إلى اللغة الإسبانية القديمة في القرن الثالث عشر. في إيطاليا كان من أوائل الكتب التي ظهرت بعد اختراع الطباعة.

في وقت لاحق تمت ترجمته أيضاً إلى اليونانية ثم تلك النسخة إلى اللاتينية والكنيسة السلافية القديمة والألمانية ولغات أخرى. تُرجمت النسخة العربية إلى الإثيوبية والسريانية والفارسية والتركية والماليزية والجاوية واللاوسية والسيامية. في القرن التاسع عشر تُرجمت إلى الهندوستانية ، وبذلك أكملت الحلقة التي بدأت قبل 1700 عام في كشمير.

لم تكن كل النسخ ترجمات بسيطة. تم توسيع الكتاب ، ومختصره ، وتشويهه ، وتعزيزه من خلال سلسلة لا نهاية لها على ما يبدو من المترجمين – وأضيف إليهم الآن واحداً آخر: أنا. لم يتم تضمين القصة التي اخترتها في النسخة السنسكريتية الأصلية ، ولا في معظم المخطوطات العربية لابن المكافة ، لكنها مثيرة للاهتمام لأنها دخلت الفولكلور الأوروبي باسم القصة المعروفة باسم “بيلينغ القطط” ، والتي يمكن يمكن العثور عليها في الأخوان جريم والعديد من الأماكن الأخرى. الفرق هو أن الفئران العربية تحل مشكلتها بمهارة أكثر من أبناء عمومتها الغربيين .

الخصائص و الميزات .

1- إن هذا الكتاب يعتمد أولاً على الأسلوب القصصي، تسلم فيه القصة إلى قصة أخرى، وربما إلى ثالثة ورابعة، وكل قصة تتبعها قصة، هكذا تأتي شخصيات مختلفة في معرض قصة.

2- معظم شخصيات هذه القصص من الطيور والحيوانات، وهي بذلك تنتمي إلى عالم مجهول من الإنسان، ولكنه مشوق له على الدوام والاستمرار، فهو يستثير خيال القارئ بالإضافة إلى استثارة عقله؛ حيث يجد نفسه مطالباً بإرجاع كل شخصية من الطيور والحيوانات إلى ما يشبهها في عالم البشر، فمثلاً الأسد رمز للملك، والنمر رمز للوزير، والثعلب للشخص الماكر، والحمامة للإنسان الطيب، وهكذا، كما كان ذلك في قصة الثور والأسد.

3- كما يستخدم لغةً سهلةً ورشيقة، ويكاد يخلو تماماً من الإملال؛ نتيجة استخدامه أسلوب الحوار، واعتماده أحياناً على الفكاهة.

كما ترى ذلك في “باب الحمامة المطوقة” أنهم يتحاورون ويتجاذبون أطراف الحديث، واحداً بعد آخر: الحمامة، والغراب، والسلحفاة، والظبي، الجرذ، وكلامهم فيما بينهم على أسلوب أدبي سهل رشيق على طراز الحوار، لا تمل ولا تتعب إذا قرأت القصة من البداية إلى النهاية؛ لأنها تشتمل على الحِكَم والأمثال والنصائح والعِبَر.

4- ومادة الكتاب تمتلئ تماماً بالحِكَم والأمثال التي تعتبر خلاصةَ آراء الفلاسفة وتجارب الشعوب القديمة، ويمكن للقارئ بسهولة أن يجد في كل زمان ومكان انعكاساتها الواضحة على حياته وعصره، كما ترى في المثال قبله من الأمثال والحكم عدداً كبيراً.

5- علاوة على ذلك، إن هذا الكتاب يُمجِّد الفضائل الأساسية؛ كالوفاء، والكرم، والشجاعة، والعفَّة، وغير ذلك، ويدين الرذائل والشرور في شتى مظاهرها، ومن هنا صلح أن يستخدم هذا الكتاب كوسيلة جيدة من وسائل تهذيب أخلاق النشء وتربيته في مختلف العصور.

6- الكتاب عامةً يصور بيئةَ الملوك والحكام والحاشية المحيطة بهم، ومن المعروف أن هذه البيئة تستهوي مزاج العامَّة، وتستميل قلوب الجماهير. نقدم هنا مثالاً للعقل والفهم؛ لأن مَن يستخدم العقل والفهم يتغلَّب بذلك على ألد أعدائه، كما كان ذلك في قصة البوم والغربان.

7- إن مترجمه الذكي ابن المقفع قد كساه في طابع ديني واضح جدّاً في لغته العربية التي تشيع فيه ألفاظ الرضا بالمقدور، وأحوال الدين والدنيا، والآخرة والأولى، وهذا في رأينا ما جعل الكتاب يدخل بسرعة في بناء الثقافة الإسلامية، ويصبح على الرغم من أصله الأجنبي مَعْلماً للثقافة الدينية.

أغراض تأليف الكتاب ومقاصده في ضوء مقدمة ابن المقفع:

إلى هذه الأغراض والغايات والمقاصد والخصائص لهذا الكتاب يشير ابن المقفع؛ لأن المترجِم بعد مؤلف أي كتاب يعي جيداً أهمية الكتاب ويدري مكانته وخصائصه؛ لأنه لا يقدم على ترجمة أي كتاب إلا بعد أن يكون قد أدرك قيمة الكتاب في اللغة الأم، وهو بنفسه يصرح إلى هذه الغايات والأهداف والخصائص لهذا الكتاب التي أثارته إلى ترجمته، ونقله إلى العربية:

فقد أشار إلى كثير من الأشياء التي تسبَّبت في اختياره إلى ترجمة الكتاب، وهو ينبه القارئ لكي يستفيد بالكتاب حق الاستفادة، نقدم إلى ما وصل إليه ابن المقع من المقاصد والأهداف في النقاط التالية:

1- يقول في موضع مشيراً إلى سبب وضع العلماء الهنود مثل هذا الكتاب: هذا كتاب كلية ودمنة، وهو مما وضعه علماء الهند من الأمثال والأحاديث التي ألهموا أن يدخلوا فيها أبلغ ما وجدوا من القول في النحو الذي أرادوا.

2- وهو يُوضِّح مضمون الكتاب الأصلي، ويصرح بأنه يتمثل في “الحكمة”، وقد عرضها صاحب الكتاب بحيث يجذب الخاصة والعامة على السواء؛ “فاختاره الحكماء لحكمته، والسفهاء لِلَهْوِه، وبالنسبة إلى المتعلم الناشئ، فإنه يتقبله في البداية بسهولة، لكنه عندما يكبَرُ وينضج يدرك أنه يمتلك بالفعل كنزاً من كنوز الحكمة، فأغناه ما أشرف عليه من الحكمة، عن الحاجة إلى غيرها من وجوه الأدب”.

3- وكذلك يدعو ابن المقع قارئ الكتاب إلى التفكر والتدبر في مقاصد الكتاب، التي لأجله تم وضع الكتاب على ألسنة الحيوانات والطيور، فيقول: “ينبغي لمن قرأ هذا الكتاب أن يعرف الوجوه التي وضعت له، وإلى أي غاية جرى مؤلفه فيه عندما نسبه إلى البهائم، وأضافه إلى غير مفصح، وغير ذلك من الأوضاع التي جعلها أمثالاً؛ فإن قارئه متى لم يفعل ذلك، لم يدرِ ما أُريد بتلك المعاني، ولا أي ثمرة يجتني منها، ولا أي نتيجة تحصل له من مقدمات ما تضمنه الكتاب، وإنه وإن كان غايته استتمام قراءته إلى آخره، دون معرفة ما يقرأ منه، لم يَعُدْ عليه شيء يرجع إليه نفعه”.

4- ويتبين أن المقصود هو المضمون من كتاب كليلة ودمنة، وأن الشكل بالتالي ما هو إلا وسيلة لتوصيل هذا المضمون إلى القراء، يقول ابن المقفع: “وقد ينبغي للناظر في كتابنا هذا ألا تكون غايته التصفح لتزاويقه، بل يشرف على ما يتضمن من الأمثال، حتى ينتهي منه، ويقف عند كل مَثَل وكلمة، ويعمل فيه رويته”.

5- ثم بعد ذلك مما يؤكِّد عليه ابن المقفع ويدعو القارئ بعد أن يدرك مقاصد الكتاب وأغراضه الأساسية أن يُطبِّقها في حياته العملية؛ لأن العلم لا يتم إلا بالعمل، وهذا هو مفهوم الحكمة عند الفلاسفة والمفكرين، فيقول:”إن العاقل إذا فهِم هذا الكتاب وبلغ نهاية علمه فيه، ينبغي له أن يعمل بما علم منه لينتفع به، ويجعله مثالاً لا يحيد عنه”.

المراجع:

Paul Lunde, “Kalila wa-Dimna”، muslimheritage.com

د. محمد فضل الله شريف (23-1-2017)، “كتاب كليلة ودمنة: ميزاته وخصائصه وأهدافه”، www.alukah.net

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى